د. عماد عبد الرازق

لا أعلم من أين يأتون بهؤلاء المتحدثين باسم النظام والحزب الحاكم في مصر من محترفي الدفاع عن سياسات النظام وأخطائه وخطاياه وفضائحه؟ من أين يهبط علينا هؤلاء الذين يطلون علينا من شاشات الفضائيات حتى باتوا كأبطال المسلسلات المصرية نتجرعهم صباح مساء رغم رداءة التمثيل وسطحية الأداء (وهل يتوقع غير ذلك من ممثل مصاب بإسهال مسلسلاتي وطفح متزايد في الأدوار المتشابهة؟). أي ريح غير طيبة قذفت إلينا بهذا المدعو مجدي الدقاق المرابط على الشاشات الفضائية، وكأنما عجزت بطون الحزب الوطني البيروقراطي الحاكم ان تلد مثله فلا تجد برنامجا او حوارا عن قضية مصرية إلا وتجده متصدرا متحدثا مدافعا عن النظام. ألم يسمع هؤلاء القوم بالمثل القائل ‘عدو عاقل خير من صديق جاهل’؟ ما شاهدته يوما متحدثا إلا وأحسست بالشفقة لعجزه الفاضح في التدليل على وجهات نظره ومقارعة حجج الطرف المقابل أمامه، وإن لم أخف في الوقت ذاته احساسا طاغيا بالشماتة في نظام خرب لا يتقن سوى إعادة إنتاج أسوأ ما فيه على كل صعيد. أهذا هو أفضل ما يمكن ان يفرزه الحزب الحاكم؟ من فرط تهافت الحجج والأمثلة والمداخلات التي يوردها الدقاق كثيرا ما ينتابني الشك في أنني أشاهد رجلا مصابا بعته الشيخوخة المبكر.
في الحلقة الأخيرة التي شاهدتها من برنامج ‘الإتجاه المعاكس’ ابتلانا الزميل العزيز فيصل القاسم بهذا الدقاق ليدافع عن موقف النظام المصري المخزي من حصار غزة. وفي الطرف المقابل كان الصحافي المقاتل عبد الحليم قنديل، وشتان ما بين الثرى والثريا. وللحظة تخيلت لو أن المقاعد تبدلت واحتل قنديل موقع المدافع عن سياسة الحكومة المصرية، فليس عندي أدنى شك من أنه سيبلي بلاء حسنا، حتى مع علمه بأنها سياسة يتعذر الدفاع عنها، لأنه أولا وقبل كل شيء كاتب محترف وذو قلم متمكن ومتحدث بليغ يجمع الفصاحة الى وضوح الأفكار واتساقها، وأولا وقبل كل شيء رجل ذو مبدأ، وكلها صفات يفتقد إليها الدقاق على نحو فاضح ما يستدعي استصدار قرار أممي بنفيه من الشاشات إلى غياهب الحزب الحاكم من حيث هبط علينا فجأة.
كان النقاش يدور عن الدور المصري في تشديد الحصار على غزة، لا تخفيفه، وهو ما لا يجرؤ النظام حتى اليوم على الاعتراف به، بل يواصل المتاجرة بمعاناة الفلسطينيين وقضيتهم، من خلال تقلد دور الوسيط ‘غير المحايد، غير الأمين’ بين الحكومة غير الشرعية في رام الله، والحكومة الشرعية المقالة في غزة. كلما قدم قنديل الحجج والأدلة والبراهين الموثقة على دور مصر في تشديد الحصار، وفي مقدمتها إحكام إغلاق معبر رفح، وهدم ونسف الأنفاق، ومنع قوافل المساعدات التي تنظمها الأحزاب والجمعيات والقوى السياسية المصرية الشريفة، من الوصول الى غزة، يعطي القاسم الكلمة للدقاق لكي يرد. فعن أي رد يتفتق ذهنه المتقد ولسانه المتلعثم؟ لا يجد الرجل في جعبته سوى الهجوم على حماس محملا إياها كل خطايا البشرية، وأنها دون غيرها، من جلب هذا الحصار والتجويع والمعاناة على سكان غزة. نفس المنطق المصاب بالعمى الحيثي الذي يلوم الضحية لأنه لا يجرؤ على لوم الجلاد. ليقفز من هذا مباشرة الى أن خلافات الفلسطينيين وعجزهم عن الاتفاق هى العقبة الكأداء، وبالطبع محملا حماس لا سواها خطيئة استمرار هذه الخلافات. المرة تلو المرة، يطرح عليه السؤال ذاته، فلا يجيب وينطلق في مرافعة عمياء حمقاء ضد حماس ومواقفها. ولا يختلف اثنان على أن خلافات الفلسطينيين وحروبهم الإعلامية وصمة في جبين القضية الفلسطينية، لكن ما علاقة ذلك بجهود مصر الحثيثة المتفانية في إغلاق المعبر ووقف المعونات ومنع القوافل وهدم الأنفاق؟ وحتى لو اقتتل الفلسطينيون وسفكوا دماء بعضهم بعضاً، هل هذا يعطي مصر الحق او الذريعة الأخلاقية أو أي ذريعة من أي نوع لتشديد الحصار على سكان غزة، وجلهم لا ناقة لهم ولا جمل في هذا الاقتتال وتلك الصراعات المؤسفة المضنية؟ هل توقفت معونات برنامج الغذاء العالمي وغيرها من هيئات الأمم المتحدة والمؤسسات الخيرية عن الوصول الى الصومال بحجة اقتتال أهله في حرب أهلية؟ هل اقتتال الفصائل والميلشيات الصومالية سبب لتجويع الصوماليين، وهم في المقام الأول والأخير ضحايا لهذا الاقتتال؟ وهل حرب الميلشيات والقوات الحكومية السودانية الدائرة في دارفور يمكن ان تكون ذريعة لوقف المعونات لعشرات الآلاف من ضحايا التقتيل والاغتصاب من سكان دارفور الذين شردهم الصراع الدائر هناك؟ وهل توقفت معونات كوريا الجنوبية الغذائية الى كوريا الشمالية بحجة أن النظام في بيونغ يانغ أنفق الملايين على التسلح وترك شعبه يواجه شبح المجاعة؟ أي منطق أخرق كهذا يمكن لأحد أن يدافع عنه؟
‘ المتلعثم الرسمي باسم الحكومة’، او بالأحرى ‘المخرف الرسمي باسم النظام’ لم يستطع ان يرد على أي من الأدلة التي ساقها قنديل على سياسة العصا الغليظة للحكومة المصرية في التعامل مع رافضي الحصار. فإذا فهمنا منع النظام لقوافل الاغاثة المصرية حفاظا على مشاعر إسرائيل المرهفة - دون أن نغفرها او نتقبلها - كيف يمكن ان نفهم القبض على المتطوعين من المشاركين في المسيرة وبينهم قضاة وأكاديميون وفي قلب القاهرة حتى قبل ان تتحرك قافلة الإغاثة شبرا واحدا. حدث هذا للمرة الثانية (كانت القافلة الأولى قد أوقفت بواسطة رجال الأمن عند مدخل مدينة الإسماعيلية قبل ان تخطو خطوة واحدة داخل سيناء)، رغم صدور حكم قضائي مؤخرا يؤكد حق المواطنين المصريين في تنظيم قوافل المعونات وتوصيلها إلى غزة. الدقاق- الذي لم يتوقف طوال البرنامج عن التزلف لقنديل واصفا إياه بالزميل والصديق العزيز- هو أحد وجوه ‘الفكر الجديد’ في مصر، فكر حلف التوريث، الحلف المشؤوم لنهب مصر بالجملة وبالتفصيل مناصفة بين وزراء البيزنس ومافيا رجال الأعمال من لصوص الأراضي وأصحاب عبارات الموت، ومعامل أكياس الدم الفاسدة، ومستوردي المبيدات المسرطنة، ونواب القروض الهاربين، وبائعي القطاع العام بأبخس الأثمان، والقتلة المأجورين وأسيادهم من أباطرة العقارات، وصحافجية الحكومة وكتاب النظام المأجورين من أنصاف المواهب وقوادي الأفكار والمنافقين.
‘العاشرة مساء’ ينصحك بالابتعاد عن السياسة
استضاف برنامج ‘العاشرة مساء’ د. محمد غنيم أستاذ أم













