قضايا و اراء
44578
السنة 133-العدد
2008
ديسمبر
24
26 من ذى الحجة 1429 هـ
الأربعاء
ثقافة حقوق الإنسان
بقلم: د. أحمد فتحي سرور
رئيس مجلس الشعب

إن البعد الثقافي لحقوق الإنسان ـ في تقديري ـ يمثل القاسم المشترك لفهم كل من إنجازات الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وتحدياته أو التنبؤ بمستقبله, فثقافة حقوق الإنسان هي من أهم القضايا الجوهرية التي تؤثر في الوعي الجماهيري بقيم حقوق الإنسان التي يرتبط الإيمان بها بدرجة ممارستها في الواقع العملي.
ويثير هذا الموضوع كثيرا من الإشكاليات علي قدر كبير من الأهمية.
أولاها: التشكيك في عالمية حقوق الإنسان, علي أساس أن المبادئ القانونية التي ضمنتها الوثائق الدولية المختلفة المتعلقة بحقوق الإنسان تترجم الي حد كبير أفكارا عن الفرد والمجتمع والدولة, تستمد مصدرها من الثقافة الغربية مهما كانت هذه الوثائق الدولية قد تم التصديق عليها بواسطة دول تمثل ثقافات مختلفة, وقد قيل تبعا لذلك إن نظام القيم الذي تعكسه المبادئ القانونية للوثائق الدولية لحقوق الإنسان لا يستمد جذوره من ثقافة معظم الأمم غير الغربية, الأمر الذي يجرد هذه المبادئ من الصفة العالمية لأنها تعتمد علي تفسير خاص لحقوق الإنسان يرتبط بثقافات غربية تتصف بالاستعلاء وتحتمي وراء الايديولوجية السياسية الليبرالية والديانة المسيحية, لكي تضفي الصفة العالمية علي معتقداتها, وقيل بأن القول بعالمية مبادئ حقوق الإنسان جاء لتحطيم التنوع بين الثقافات ولفتح الطريق نحو القول بتجانس ثقافي يرتد الي أصل واحد.
ونقطة البدء في تحليل هذه المسألة المهمة هي أن نتذكر أن إعلان وبرنامج العمل الذي أقره المؤتمر الثاني للأمم المتحدة لحقوق الإنسان المنعقد في فيينا عام1993 قد أكد بوضوح مبدأ ضرورة احترام الخصوصيات الثقافية والدينية للشعوب مع التأكيد في ذات الوقت أن هذه الخصوصيات لا تخل أو بالأحري لا ينبغي أن تخل بعالمية حقوق الإنسان, كما أن قرارات وتوصيات الجمعية العامة للأمم المتحدة ولجنة حقوق الإنسان ثم مجلس حقوق الإنسان في جنيف, تبدو كلها قد حسمت وجوب احترام الخصوصيات الثقافية والدينية للشعوب لدي تناول موضوعات حقوق الإنسان, ومع ذلك, فإن واقع الممارسة الدولية بدا في شكل آخر, شكل يلخصه مفهوم قائم علي صراع الحضارات أو الثقافات, وعلي التناقض الذي تعبر عنه الممارسة بين عالمية حقوق الإنسان من جهة, والخصوصيات الثقافية والدينية للشعوب من جهة أخري, وربما كان أبرز دليل علي ذلك ما بات يطلق عليه بظاهرة ازدراء الأديان التي تمارسها بعض الدوائر الغربية تحت ستار حرية التعبير.
والفكرة الجوهرية الأولي التي ينبغي الانطلاق منها, هي أن حقوق الانسان ليست مفهوما غربيا, وإنما هي إرث مشترك للإنسانية انطلق من ثقافة الأمم والحضارات والثقافات عبر التاريخ, بالطبع تختلف المسميات ولكن جوهر حقوق الانسان ما هو إلا الحرية والعدل والمساواة والكرامة والتضامن.
هذه المبادئ الخمسة هي جوهر وصلب معظم الحضارات والثقافات إن لم يكن كلها, ولذلك فإن الانطباع السائد بأن حقوق الإنسان فكرة غربية أو أن منشأها هو الدول الغربية, انما هو انطباع خاطئ وعلينا أن نبدده.
ويجب أن يكون مفهوما أن فكرة العالمية في حقوق الانسان التي لا تتناقض معها فكرة الاقليمية تنطوي علي الايمان بالتعددية الثقافية والاقرار بالتنوع الثقافي الذي يضيف للفهم العالمي لحقوق الانسان, ويساعد في جعل تلك الحقوق حاملة لملامح العالمية الحقة, وضامنة لسلامة ادراكها وفهمها واحترامها, باعتبارها فكرة نابعة من القيم العميقة التي يشترك فيها كل الآدميين, وعلي رأسها كرامتهم الانسانية, وهو ما يدعو جميع الثقافات مهما تنوعت الي أن تتأذي من الاعتداء علي قيمها المشتركة من خلال ممارسات تفرز شرعية دولية مزدوجة المعايير.
وثانية هذه الاشكاليات, تتمثل في اكتشاف تراثنا وقيمنا في ضوء المفاهيم المعاصرة لحقوق الإنسان, وذلك بهدف استعادة ما يسميه كاتب المقال بالشرعية الثقافية لمبادئ حقوق الإنسان في مجتمعاتنا العربية والاسلامية, بغية توافر آليات قوية لحماية هذه الشرعية, والشرعية الثقافية وحدها لايمكن أن تكون بديلا عن الشرعية القانونية الوضعية, لأن الأخيرة هي التي تترجم الشرعية الثقافية الي مبادئ قانونية ملزمة, وقد كفلت المواثيق الدولية هذا الاطار القانوني لكي يضفي علي الشرعية الثقافية شرعية قانونية جوهرها تكفل إعطاء الحماية القانونية للمدلول الثقافي لحقوق الانسان, وبهذه الشرعية تجاوزت فكرة حقوق الانسان حدود المجال الثقافي المجرد الي المجال القانوني الوضعي الذي يتصدره الدستور.
ولو حللنا ثقافتنا العربية والاسلامية بعمق لوجدنا أن مفاهيم حقوق الانسان فيها أكثر تقدما وانسانية من العديد من المفاهيم المعاصرة, وأوضح مثال قاطع علي ذلك, هو وضع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في النظام القانوني الدولي لحقوق الانسان بالمقارنة مع وضعها في الثقافة الاسلامية.
إن أساس الثقافة القائمة علي القيم الدينية تركز علي الإنسان, والحياة الانسانية هي نقطة البدء في جميع الأديان السماوية: الإسلام والمسيحية واليهودية, وترتكز ثقافتنا في جوهرها علي القيم الاسلامية, وقد أعطت الانسان حق قدره.
إن مفهوم الحقوق في الإسلام بالغ القداسة الي حد أن حقوق العباد مقدمة علي حقوق الرحمن في التوبة عن الذنب في حق الله, إذ تقبل بمجرد الصدق فيها وإخلاص العزم علي عدم العودة الي الذنب, أو الخطأ في حق بني الانسان فقد جعل الله من شروط قبول التوبة عنها أداء حقوق العباد كالوفاء بدين, أو الاعتذار لمتضرر, أو جبر













